والد البهائي العاملي

59

نور الحقيقة ونور الحديقة

فكانوا يأتون اليه ويسألون منه الدعاء ، ويقبلون يديه ورجليه ، وهو مع ذلك لا يلتفت إلى أحد ، بل مستمر على البكاء والذكر والصلاة وتلاوة القرآن حتى اتصل خبره بالسلطان ، فكان يأتي اليه مع وجوه دولته فيتبر كون به . ويخضعون له ، وهو مع ذلك مقبل على شأنه لا يلتفت إليهم ، فازداد بذلك قدره وعظم أمره ، حتى أوقع اللّه في قلب السلطان أنه لا يصلح لابنته بعلا الا هذا العابد - ان كان يرضى بذلك - . ورأى الملك أنه ان تقرّب إلى هذا الملك الأخروي وزوّجه بنته فقد تمّت له السعادة في الدارين ، فوجّه اليه جماعة من علماء البلد وصلحائها ليسئلوا منه ذلك بالرفق والخضوع ، ويقولوا له : ان السلطان يفرد لك مكانا للعبادة ، ولا يكلّفك بشيء من أمور الدنيا أصلا ، فذهبوا اليه ورغّبوه في النكاح ، وبسطوا له فضائله ، وأنه أفضل من التخلّي للعبادة ، وأنه لا ينافي ما أنت فيه بوجه ، فسمح لهم بذلك بعد أن أظهر لهم الكره الزائد وعدم الرغبة في ذلك . فسرّ السلطان بذلك كثيرا وأعدّ له ولبنته ما يحتاجان اليه من كل شيء ، وجمع الناس وأوقعوا العقد وهيّأ له مكانا للخلوة من أحسن الأماكن وزيّنوه بمحاسن الزين فلما دخل إلى ذلك البيت ورأى نضارته وما فيه من الأمتعة الفاخرة ، ورأى ابنة الملك وما هي عليه من الجمال الباهر واللباس الفاخر ، أدهشه ذلك وحار عقله فيه ورجع إلى عقله وبصيرته وقال لنفسه : ويحك يا نفس ، إذا كان شبه طاعة اللّه تعالى أوصلنى إلى هذا الأمر العظيم الذي لا أستحق شيئا منه ، فكيف لو أطعت اللّه حق طاعته وعبدته حق عبادته ، فإلى ايّ منزلة ، وإلى اي مرتبة كنت . تصلين بكرم اللّه تعالى في الدار الآخرة . . في جنّات النعيم ؟ ! ثم خلع ما كان عليه من الثياب ، ولبس ثيابه الأول وعاد إلى أكثر مما كان عليه من العبادة والخشوع والصوم والصلاة وتلاوة القرآن